عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

73

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

وهذه العيوب هي : الحكاك : وهو الذي يحك رأسه وموضعا في بدنه بعد غسل يده وقبل الأكل ، فقد حكي بعضهم أن رجلا غسل مع المأمون يده ، وأبطأ الطعام ، فسبقته يده إلى رأسه ، فقال له المأمون : « أعد غسل يدك ، فغسلها ثم لم يلبث أن سبقت يده إلى لحيته ، فقال له : أعد غسلها ، قال : ولا يلي غسل اليد إلا الخبز » . والزاحف : وهو الذي إذا قدم الطعام زحف إلى المائدة قبل الجماعة ، وربما كان الطعام لم يتكامل تصفيفه ، أو كان رب المنزل مرتقبا حضور من يتوقعه ، فإن زحف الحاضرون إلى المائدة بزحفه ، فقد أسجل على نفسه بالنهم ، وان هم تثاقلوا عن موافقته بقي على المائدة وحده فيخجل ، وربما كان الذي يتوقعه رب المنزل من اخوانه هو المقصود بذلك الطعام ، فإذا حث على سبقه ثقل على رب المنزل موضعه . المجوّع : وهو رب المنزل الذي ينتظر بمؤاكليه ادراك طعامه حتى يجيّعهم . حكى أن محمد بن عبد اللّه بن طاهر « 1 » دعاه رجل من أصحابه دعوة ، فأنق فيها ، واحتفل لها ، فلما حضر محمد ، طالبه بالطعام ، فمطله ليتكامل ويتلاحق على ما أحبه من الكثرة والحفلة حتى تصرم النهار ، ومس محمدا الجوع ، فتنغص عليه يومه ، ثم أراد محمد سفرا ، فشيعه هذا الرجل ، حتى إذا دنا منه ليودعه قال له : أتأمر بشيء ؟ قال : نعم اذهب فاجعل طريقك في عودك على أحمد بن يوسف الكاتب ، وقال له : قد بعثني إليك الأمير لتعلمني القرى ، ففعل ذلك ، فلما سمعه أحمد ضحك وقال لفراشه : هات ما حضر ، فجاء بطبق كبير ، عليه ثلاثة أرغفة من أنظف الخبز ، وسكرجات « 2 » مريء وخل وملح من أجود الملح ، وما يتخذ من هذه الأصناف ، وابتدأ يأكل فجاء باوزة من مطبخه ، وتداركها

--> ( 1 ) ولي الشرطة في بغداد على عهد المتوكل ( 848 - 861 م . ) حاول عبثا القضاء على نفوذ الأتراك ، عينه المستعين أميرا على العراق . ( 2 ) السكرجة : الصفحة ، وهي فارسية .